19 يناير 2015

علم الفلك وتفسير آيات القرآن في الكون // وهيبة سكر

إن للعلوم الكونية ـــ كما هو الشأن تماماً في شقيقاتها من علوم الدين ـ دوراً فاعلاً ومؤثراً في خدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم، والإسفار عن وجه جلالهما وجمالهما وبيان هديهما وشرائعهما كما أمر الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
ذلك أن العلم الصحيح في هذا الدين رديف الوحي في تثبيت الهدى، تحقيقاً لوعد الرب جل وعلا بجعل آياته في الآفاق والأنفس عاملاً من عوامل بيان الحق، وترسيــخ اليقين: (سَنــُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتــَّى يَتَبَـيَّنَ لَهُمْ أَنـَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبـِّكَ أَنـَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ) سورة فصلت: 53. وإن من أهم هذه العلوم الخادمة للكتاب والسنة: علم(الفـلك) أو علم (الهيئة) كما كان يسميه الأقدمون، مما هو معلوم مشهور في تراثنا العلمي الإسلامي الغابر.
الفـلك ومفهـــومه:
ويراد بعلم الفلك Astronomy ذلك العلم الذي
(يدرس الكون بما فيه من أجرام سماوية وظواهر كونية) (1) .
وهذا المصطلح يقصد به عند أسلافنا القدمـاء: الجانب العلمي المرتكز أساساً على
(الأرصـاد) و (الملاحظات) ؛ فهو إذن مشابه ـ بصفة قوية ظاهرة ـ علم الفلك في زماننا الحاضر. مع ملاحظة أن علم الفلك المعاصر أدق وأوضح من علم الهيئة القديم.
مــادة هـــذا العلم:
المادة الأساسية لعلم الفلك: هي هذه السماء وأجرامها المختلفة، وكذلك: الظواهر الكونية الأخرى. فهي إذن مادة علمية محضة تقوم في الأساس على:
(الأرصاد الفلكية) و (الملاحظات التي يلاحظها العلماء الفلكيون) إما بالعين المجردة، أو بمعاونة الأجهزة العلمية المعروفة. ولا يقف اهتمام علماء الفلك عند مجرد الرصد لهذه الأجسام بل يتعدى ذلك إلى محاولة الإجابة على أسئلة من مثل: مم تتكون النجوم؟ وكيف ينتج ضوؤها. ولذلك يعد معظم هؤلاء العلماء (فيزيائيين فلكيين) .
فــــروعه:
لقد تفرع عن هذا العلم الرئيس ـ في العصرالحاضر ـ حشد من الفروع العلمية المتخصصة تخصصاً دقيقاً في فرع أو نوع من فروع وأنواع هذا العلم. وذلك مثل:
1) علم الفيزياء الفلكية: Astrophysics وهو العلم المختص بدراسة الظواهر والصفات الفيزيائية لأجرام السماء.
2) علم القياسات الفلكية: Astrometry وهو مختص بقياسات مواقع النجوم والأجرام في قبة السماء.
3) علم الفلك الراديوي وهو مختص بدراسة
(الأمواج الراديوية) المنبعثة من الأجرام السماوية.
4) علم الفلك بالأشعة تحت الحمراء
5) علم الفلك بالأشعة فوق البنفسجيـة وبأشعة
(جـاما) وبالأشعة السينية
6) علم الكونيات Cosmology وهو مختص بدراسة والبحث في أصل الكون، وبنيته، وعناصره.
7) علم الكوسموجوني Cosmogony، وهو علم تاريخ الفلك ويشمل التصورات الفلكية عند الأمم ويمكن اعتباره علم الهيئة القديم.
وهذان العلمان الأخيران وإن كانا علمين مستقلين، إلا أنه يمكن إضافتهما إلى فروع علم الفلك لاشتراكهما مع علم الفلك في مادته التي هي السماء وأجرامها المختلفة كما سلف.
كما أن من الجدير التنبيه إليه أن معظم هذه الفروع العلمية التي تفرعت عن هذا العلم إنما انبثقت عنه خلال هذا القرن الذي نعيش أيامه، ولم تكن معروفة من قبل.
التنجيـــــم:
كثيراً ما يقترن بعلم الفلك ويصاحبه ويخالطه اصطلاح آخر هو
(التنجيم) Astrology .
وقد كان له عند الأقدمين من أسلافنا تسمية محددة مشهورة مذكورة، هي:
(علم الأحكام) أو (علم أحكام النجوم) أو (علم النجوم الأحكامي) .
والأول من هذه التسميات هو أكثرها وأشهرها استعمالا. ووصفه بالعلم Science خطأ محض، كما سيأتي بيانه قريبا.
والتنجيم ـ في لغة العرب ـ مشتق من النجوم والنظر فيها، ويعبر بالنجم عن
(الوقت المضروب) (2) . ومنه (المنجم) ، (المتنجم) و (النجام) وهو (من ينظر فيها ـ أي في النجوم ـ بحسب مواقيتها وسيرها في طلوعها وغروبها) (3) .
وقولهم:(نظر في النجوم: فكر في أمر ينظر كيف يدبره) (4) .
والتنجيم باعتباره مصطلحاً هو:(التطلع إلى معرفة الغيب من خلال النظر في النجوم) (5) .
ويعرفه صاحب(كشف الظنون) بأنه (الاستدلال بالتشكيلات الفلكية من أوضاعها وأوضاع الكواكب ـ القابلة، والمقارنة، والتسديس، والتربيع (6) ـ على الحوادث الواقعة في عالم الكون والفساد في أحوال الجو والمعادن والنباتات والحيوان) (7) .
وخلاصة ما يمكن قوله في هذا المقام أن كل ما يبحث فيه هذا(العلم) ؟! لا يعد في الحقيقة علماً Science بالمعنى الاصطلاحي المعروف للعلم، بل هو حديث خرافة، ولا صلة له بالعلم من قريب ولا بعيد. وهي أي: (الخرافة) ـ في لغة العرب ـ مشتقة من (الخَرَف) وهو: (فساد العقل من الكبر) (8) .
وتعريفها علميا:(اعتقاد أو فكرة لا تتفق مع الواقع الموضوعي بل تتعارض معه) (9) .
ولذا جاء رفض هذا الدين ـ كتاباً وسنة ـ لهذا الفرع من الفروع الناظرة إلى السماء بقصد الربط بينها وبين ما يحدث على الأرض من وقائع وأحداث.
فأوضح الكتاب العزيز في بيان محكم، وتبيين دقيق، وإيضاح جلي أن الغيب لا يعلمه إلا الله:(قُل لا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشـْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)(النمل: )65.(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شىْءٍ قَدِير)ٌ( النحل: 77. ( وَعِنـْدَهُ مَفَاتِـحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَآ إِلا هُو)َ ( الأنعام: )59.
وأمر سبحانه نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يعلن على الملأ أنه لا يعلم الغيب: (قُل لا أمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلا ضَرٌّا إِلا مَا شـَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخيْرِ وَمَا مَسَّنِى السُّوءُ إِنْ أَنـَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنــُونَ( الأعراف: 188.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق